يرى الكاتب عمرو حمزاوي أن استهداف ميناء دمياط بطائرة مسيّرة يتجاوز كونه حادثًا أمنيًا عابرًا، ويعكس تطورًا خطيرًا في مسار الصراع الإقليمي، إذ قد يشكل بداية لمحاولات جرّ مصر تدريجيًا إلى دائرة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بما يفرض عليها أولويات أمنية وعسكرية جديدة على حساب التنمية والاستقرار الداخلي.
وأوضح تقرير نشرته مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي أن الهجوم الذي استهدف ميناء دمياط الأسبوع الماضي، والمنسوب إلى إيران، يمثل سابقة من نوعها، إذ يعد أول هجوم ينفذه طرف خارجي ضد مصر منذ عام 1973، بحسب ما تشير إليه التقارير الغربية.
ويؤكد الكاتب أن التعامل مع الواقعة باعتبارها حادثًا منفصلًا يقلل من خطورتها، لأنها تأتي في سياق حرب إقليمية آخذة في الاتساع، تتزايد معها احتمالات انتقال المواجهات من ساحة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى.
ويشير التحليل إلى أن استهداف ميناء دمياط لا يقتصر على توجيه رسالة أمنية، بل يحمل أبعادًا استراتيجية تهدف إلى دفع مصر نحو الانخراط في الصراع، سواء عبر مواجهة عسكرية مباشرة أو عبر استنزاف مواردها في تعزيز الإجراءات الأمنية، وهو ما قد يصرفها عن أهدافها الأساسية المتمثلة في التنمية الاقتصادية والحفاظ على الاستقرار الداخلي وتعزيز دورها الإقليمي كوسيط للسلام.
ويحظى ميناء دمياط بأهمية تتجاوز دوره التجاري، إذ يمثل أحد أعمدة منظومة الأمن الاقتصادي المصري، ويرتبط مباشرة بحركة التجارة في البحر المتوسط، كما يشكل عنصرًا رئيسيًا في استراتيجية القاهرة للتحول إلى مركز إقليمي للتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية.
ويرى الكاتب أن استهداف الميناء يبعث برسائل تتجاوز الحدود المصرية، إذ يثير قلق المستثمرين وشركات الشحن العالمية في وقت تعاني فيه حركة الملاحة في البحر الأحمر والخليج من اضطرابات أثرت بالفعل في التجارة الدولية وإيرادات قناة السويس.
حماية الأمن القومي دون الانجرار إلى الحرب
يؤكد التحليل أن الرد المصري ينبغي أن يجمع بين مسارين متكاملين، يبدأ أولهما بتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية، خاصة المنشآت البحرية والمجال الجوي، مع تطوير قدرات الردع والدفاع المحلية لمنع تكرار الهجمات دون التوسع في الإنفاق على شراء الأسلحة.
أما المسار الثاني فيتمثل في الحفاظ على الموقف السياسي والاستراتيجي الرافض للانخراط في حرب مفتوحة، لأن أسباب هذا الصراع وحدوده لا تتوافق مع المصالح الوطنية المصرية.
ويستعرض الكاتب تجارب العقود الماضية، موضحًا أن كثيرًا من حروب الشرق الأوسط بدأت بحوادث محدودة قبل أن تتحول إلى صراعات واسعة دفعت دول المنطقة أثمانًا بشرية واقتصادية وسياسية باهظة، بينما بقيت جذور الأزمات دون حلول مستدامة.
ويرى أن الحرب الحالية لا توفر الأمن لأي طرف، بل تعزز منطق المغامرة العسكرية وتعمق انعدام الثقة بين القوى الإقليمية، كما تزيد من حالة عدم الاستقرار.
ويضيف أن الضربات العسكرية الأمريكية، رغم دقتها، لم تنجح في إزالة أسباب التوتر مع إيران، في حين أسهمت السياسات الإيرانية القائمة على استخدام الوكلاء والردود غير المباشرة في إطالة أمد النزاعات وتقويض الأمن الإقليمي، بينما تتحمل دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر، جانبًا كبيرًا من التكلفة الأمنية والاقتصادية لهذه المواجهة.
تداعيات اقتصادية تهدد التجارة وقناة السويس
يلفت الكاتب إلى أن تطورات البحر الأحمر والخليج خلال العامين الماضيين تعكس حجم الخسائر الناتجة عن التصعيد، إذ تراجعت حركة العبور في بعض الفترات، وارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وهو ما انعكس سلبًا على التجارة الدولية والاقتصادات الوطنية، خاصة الاقتصاد المصري المرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن قناة السويس واستقرار طرق الملاحة البحرية.
ويحذر من أن استمرار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران ينذر بمزيد من المخاطر والخسائر الاقتصادية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خفض التوتر لا إلى توسيع دائرة المواجهة.
الدبلوماسية خيار مصر الاستراتيجي
يشدد التحليل على أن الأمن في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط وقناة السويس يمثل منظومة مترابطة لا يمكن التعامل مع عناصرها بصورة منفصلة، ولذلك تكمن مصلحة مصر في التعاون مع الدول العربية والقوى الإقليمية الساعية إلى الاستقرار من أجل بناء ترتيبات أمنية أكثر استدامة تعتمد على الحوار والوساطة بدلًا من الحرب.
ويؤكد الكاتب أن إعطاء الأولوية للدبلوماسية والوساطة والأمن الجماعي يمثل الخيار الأمثل أمام مصر بعد الهجوم على ميناء دمياط، مستندًا إلى ما تمتلكه القاهرة من موقع جغرافي وثقل سياسي وخبرة دبلوماسية تؤهلها لقيادة جهود احتواء التصعيد واستعادة الاستقرار.
ويختتم عمرو حمزاوي مقاله بالتأكيد على أن حماية المصالح المصرية تقتضي رفض الانجرار إلى الحرب، والتمسك بدور مصر كقوة إقليمية تعمل على احتواء النزاعات وبناء الأمن الجماعي، لأن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل أيضًا بقدرتها على منع اندلاعها، وهو الدور الذي تحتاج إليه المنطقة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
https://carnegieendowment.org/emissary/2026/08/egypt-drone-attack-port-damietta-iran-war

